عماد الدين الكاتب الأصبهاني
246
خريدة القصر وجريدة العصر
أبو الحسن عليّ بن طاهر الخبّاز الكرخي « 1 » هو من عصر آبائنا وأجدادنا . مات قبل الخمس مائة بسنين كثيرة .
--> ( 1 ) الكرخي : نسبة إلى « الكرخ » وقد ذكرته بايجاز في ( 3 / 1 / 39 ) ، وهذا موضع تفصيل الكلام عليه . وهو اسم يرى ( ياقوت ) أنه نبطي مشتق من فعل في هذه اللغة يعني « ساق الماء إلى موضع ما وجمعه فيه » ، ويرى ( غي لسترنج " guyleStrange " ) أنه إرمي أو سرياني مشتق من فعل يعني ما عنته النبطية منه . وقد عرفت به مواضع عدّة في « العراق » أضيفت اليه ، مثل : كرخ باجدّا ، وكرخ بغداد ، وكرخ البصرة ، وكرخ سامراء . . وقد ماتت كلّها إلا كرخ بغداد ، ولشيوعه وتفرده استغني عن إضافته فقيل « الكرخ » فقط . وكان « الكرخ » قبل العهد الإسلامي أشبه بقرية منعزلة ، وازدهر بعد تأسيس ( المنصور ) « المدينة المدوّرة » ازدهارا عظيما ، وكان موجودا في تخطيط ( المنصور ) عند جنوب « باب الكوفة » و « باب البصرة » وبين « نهر الصراة » و « نهر عيسى » . وقبل مرور مائة عام على ذلك أخذ في التوسع والامتداد خارج حدود « نهر عيسى » . إلى جنوبيه ، وشغل الأرضين على جانبي طريق « الكوفة » مسافة بعيدة حتى بلغ طوله ستة أميال ، وعرضه مقدار ثلاثة أميال ، فكان أوسع محلات بغداد الغربية ، وصار مركزا تجاريا عظيما هناك ، فكان فيه كما قال ابن واضح اليعقوبي « لكل تجار وتجارة شوارع معلومة ، وصفوف في تلك الشوارع ، وحوانيت وعراص ، وليس يختلط قوم بقوم ، ولا تجارة بتجارة ، ولا يباع صنف مع غير صنفه ، ولا يختلط أصحاب المهن من سائر الصناعات بغيرهم ، وكل سوق مفردة ، وكل أهل منفردون بتجاراتهم ، وكل أهل مهنة معتزلون عن غير طبقتهم . . » . وأخذت « المدينة المدوّرة » في الاضمحلال شيئا فشيئا بعد بناء « الكرخ » وغيره من أرباض « بغداد الغربية » ، وظلّ « الكرخ » مزدحما بالسكان حتى بعد الخراب الشامل الذي أصاب بقية بغداد الغربية ، وشمل اسمه جميع المنطقة ، فصار يطلق على الجانب الغربي كله ، كما صار اسم « الرصافة » وكانت محلة من محلات بغداد الشرقية - يطلق على الجانب الشرقي كله إلى اليوم .